عِقد مر أو ما يزيد قليلًا، تجربة نضجت بوعي، وسعي حثيث لإثبات الذات وتطويرها، خطوات منظمة هادئة ولكنها قوية، إيمان _ ليس اسمًا فقط_ مستقر في القلب بأن الخطوات المنظمة تبني طريق، نجد في نهايتة بوابة إلى عالم أكثر رحابة وسكينة.
كانت النظرة الأولى على أعمال إيمان في مرحلة الدراسة، في إطار مختلف عن النحت، مشروع ورشة الكوميكس، أظهرت من خلاله تعلقًا ببعض الموجودات المادية في البيئة المحيطة، تعلق نسجت حوله الكلمات والأفكار، تحكي لنا بحماس كيف ترى الكُرسي كعالم كبير ضخم يحتوي جسدها الصغير ويملئه بالأمان والسكينة، تضفي من مشاعرها وأفكارها البريئة على الموجودات فتصير حية، وكأنها كيان حاضر، يعطي ويحتوي ويدعم في أوقات أخرى.
انتهت مرحلة البكالوريوس، في عام ملئ بالحماس 2011، كلً يتلمس طريقه، يختار المسار الذي يشكل فيه هويته، فتختار إيمان أن تسلك مسلك بعض الفنانين الأوائل، الذين جمعوا بين العمل في تدريس التربية الفنية في المدارس والاستثمار في إنتاجهم الفني، أمثال راغب عياد وكمال عبيد وغيرهم… يُعطي العمل في مجال التدريس شيئين عظيمين، النظام؛ الذي يشار حديثًا إلى كونه أساس للإبداع الفني المبني على وعي والتزام، والثاني هو مُخالطة الأطفال؛ بما يمتلكون من حماس ونظرة مقبلة إلى العالم. تذهب إيمان في الصباح الباكر إلى العمل، وتعود مساءًا إلى ورشتها الفنية، تُنِتج تجارب متعددة، مشاركات جماعية بين صالون الشباب (دورته 24) الذي هو أحد أهم المعارض الفنية للشباب في مصر، وجمعية محبي الفنون الجميلة، وتشارك في العام 2014 ضمن ورشة سمبوزيوم أسوان الدولي للنحت، والذي برزت فيه المشاركات النسائية، رافعين شعار أن النحت في الخامات الثقيلة ليس حكرًا على الرجال فقط.
بعد سنوات قليلة من التخرج، في العام (2015) البداية الفعلية ل مسيرة منظمة، بداية العقد، ومشاركة رسمية في سمبوزيوم أسوان الدولي للنحت، جانبًا إلى جنب مع أساتذتها الكبار، بجسدًا صغير رقيق تواجه حجرًا ضخم من الجرانيت، تثبت تمكنها من أدواتها، وتثبت جرأة في مواجهة الخامة.
تترجم إيمان ذاتها ومعتقداتها في أعمالها الفنية، بقصد ودون قصد منها، فتخرج الأعمال أصيلة صادقة دون تصنع. تسكن أعمالها خامتى الحجر والبرونز، أو ما يُطلق عليه الخامات النبيلة، يتبلور العمل في مخيلتها خارجًا من قطعة الحجر، هي مِمن يعتمدون تقنية الحذف (المعنى الحرفي للنحت) بديلًا للإضافة والتشكيل، فيتحول الحجر أحيانًا إلى ماكيت لإنتاج قوالب صناعة البرونز، وكأنها تستخرج الروح الساكنة في الكتلة الصماء، فيما يشبه مفهوم التخلية في الفكر الصوفي، إزالة الزوائد للوصول إلى الجوهر النقي. المنحوتة الحجرية تستلزم مراحل أطول لإتمامها _ كما رحلة العابد _ وتكون تكلفته الحقيقية من وقت وجهد ومهارة النحات، بخلاف المواد اللينة التي تسمح بالحذف والإضافة مرات عدة، تسمح بالمحاولة والخطأ. في الكتلة الصلبة لا مجال للخطأ، عليك فقط أن تتأنى في كل خطوة، وتتحمل أخطائك كافة كجزء من بنية الشكل النهائي.
“الفكر الصوفي أقرب إلى التجريد منه إلى التمثيل،،
بين تجريد وتجسيد تتشكل أعمالها، حوار بين متناقضات، تستمد بنية الكتلة من تبسيط عناصر مادية كالطائر والفيل.. وغيرهم، تحيلهم إلى مجموعة من الخطوط والعلاقات، وكأنها تصفي السطح من الزوائد ليحل محلها ما هو غير مادي من معانٍ ومفاهيم، مستمدة من الخامة تارة، وما تحمله الأحجار من معانٍ مرتبطة بالقوة والثبات والتوازن، ومن رشاقة خطوطها والانتقالات الهادئة بين الأسطح تارة أخرى.
لعله جلي لمن يتتبع أعمالها ضمن مسارهم التاريخي أن يرى كيف تتخلى أعمالها عن الزوائد شيئًا فشئ، فبعد أن كنا نرى من الفيل (2014) ما يدل عليه،نرى الطائر (رخام أخضر 2021) ككتلة واحدة مصمتة، إلا من بوابة تمرر الهواء بين قدميه.
في غالبية أعمالها تتجاور كتلتان، تتكاملان، ينشأ بينهما مسار، يؤكد على حالة الانفصال والاتصال فيما بينهم، وما تنتجه تلك الحالة من طاقة كامنة داخل العمل، رغم تسامي إحدى الكتلتين عن الأخرى، وكأنها تشير إلى السماء، إلا أنها غير مكتملة وحدها. إلى أن نصل لمجموعة البوابات، وكأن تلك الطاقة تبحث لها عن مخرج/ بوابة/ نقطة ضوء، تسمح باختراق الكتلة، وتجاوزها إلى ما هو أبعد، إلى فراغ يحتويهما معًا. تمثل البوابة مرحلة نضج ما في مسيرة إيمان، نظرة على الماورائيات، إلى ما بعد الآني، وكأنها تبحث عن لحظة تعبر بها من حالة إلى أخرى. تمثل البوابات ذروة تمكنها من أدواتها وسيطرتها على الخامة، وتمثل بلوغ فكري لا ينشغل إلا بالجوهر.



في معرضها عِقد، تجتمع للمرة الأولى أعمالها معًا، أو ابناءها كما تشعر تجاههم، تحتاج في سعيها إلى التطور إلى رؤيتهم سويًا _ باستثناء الأعمال المقتناة _ لتُقييم التجربة ذاتيًا، لتشهد على مرحلة مضت، وتستكشف من خلالهم الخطوة التالية، تبحث عن أسئلة جديدة، ورحلة جديدة، المعرض هو امتنان لرحلتها ومسارها الخاص، رحلة من السعي والاجتهاد والتأمل، والنجاح الهادئ دون صخب مصطنع، أو ضجيج يتحول إلى لا شئ.